الجمعة، 19 مايو 2017

بقلم الشاعر "عاطف عبدالله "

( الصعلوك )
..................قصة قصيرة بقلمي ( الكاتب عاطف عبد الله )
هوصعلوك من صعاليك الدنيا جنت عليه كما الكثيرين لكنه تجرع منها كأسها الكبيرة حتي الثمالة ....ثمالة الفقر والفاقة والعوز كان في يوم ما سيد من أسيادها صال وجال بين كل شروقها ممتدا الي كل غروبها عرف خدر الشمس حين تصحو في دلال وعرفها أيضا حين تغرب في عين حمئة عند عشاق آخرين تبختر قارونا بين أصقاع الأرض مالكا كنوز الدنيا بمباهجها الصارخة وتجبر فرعونا في كل الأركان من قصر الي قصر ومن ركب الي ركب فصار معشوقا للحسان ومضرب الأمثال وحديث الصحافة والاعلام .فجأة انقلبت الدنيا وكشرت له عن أنيابها فخانته بغدر قاس انها حقا داعرة لا أمان لها مهما أوتيت من مرابط لها لأنها دنئبة حقيرة وهو لم يحافظ علي نعم ربه فطارت كما تتطاير أدخنة النار بعد التهامها للحصاد ..فخرج من نعيمه كيوم ولدته امه انفضت من حوله الزوجات والنساء الحسان وحتي البنين حرم منهم ....هاهو الآن يجلس القرفصاء مهترئ الملبس كثيف شعر الرأس والذقن خليط بين الاسود البهيم وشعيرات الخريف البيضاء انه أشبه بانسان الغاب اذا نظرت في وجهه لن تري منه الا عينين جاحظتين حمراوين كأنهما ثقبان من نار نصفه عار وباقي عوراته مستورة ينتظر عطف رجل يتناول وجبة افطاره علي مائدة من موائد مقهي في حي شعبي بقاهرة المعز في صيف ساخن ....تمضي الدقائق ثم يتلقف النعمة التي القاها له الرجل فيلتهمها في شراهة ومرارة يتجرع بعدها كوب ماء خطفه من علي تلك المنضدة فيجري وراءه عامل المقهي ينهره بالسباب واللعن فيمضي مكبا علي وجهه بين الأزقة والحواري فيجن عليه الليل لتطارده كلاب الشوارع فيختبئ منها في الخرابات وفي النهار تنهشه عيون الناس المكفهرة وجوههم كسكاري من هموم الدنيا وغلظتها عليهم من لظي أسعار و سوء أحوال وفساد حكام ودناءة أنفس وحقارة بلا أخلاق ....وذئاب الأطفال الضالة هي أقسي عليه من معاملة الناس ...هكذا تمر به الحياة من مر الي مر ومن يأس الي يأس وهو صامت كمن يرتضي بعقاب هو يستحقه لأنه أوتي مالم يكن يحلم به أي من البشر الآن منذ عشرة أعوام لكنه فرط فيها بغباء فاستحق العيش في كل هذه التعاسة والجفاء ....حتي كانت ظهيرة يوم من أيام يوليو الملتهبة انه وكعادته عندما يري صندوقا كبيرا من صناديق القمامة يهرول اليه كالمجنون ليحصل منه علي فتات او بقايا طعام او هدمة بالية يستر بها جسده النحيل البالي تنازعه عليها بعض القطط الشرسة والكلاب الضالة....هو الآن يفتش بضراوة وقد غاص في قلب الصندوق الذي صعد اليه وأصبح في منتصفه وفجأة .....يري كيسا يلمع تحت شمس الظهيرة الملتهبة فقد تعدت الثانية بعد الظهر وهو وقت الزحام والحر والسعير.... يقلب الكيس المصنوع من البلاستيك المقوي فقد كان شفافا الا أنه قوي لدرجة انه مغلق باحكام يضعه في جيب بنطاله المتقطع اربا كمن تعرض لمخالب كلب شرس .هاجمه بضراوة ..يخرج من صندوق القمامة وفي عقله ذلك الكيس وما بداخله يهرول مسرعا الي خرابته التي يقطن فيها خلف عمارة مهجورة ثم يأخذ أنفاسه ....ليخرج الكيس البلاستيك المقوي ...يفتحه بحرص من أعلي فحجمه كبير ...ليجد في داخله كيسا اخر من نفس الخامة ولكنه اقل قليلا ...يفتحه ...ليجد فيه ورقة كبيرة بيضاء مكتوب فيها كلمات كثيرة ومرفق معها ورقة مستطيلة هو يعرفها جيدا فلطالما حرر منها الآلاف والآلاف أيام الزمن الجميل ...انه شيك بنكي ومحرر لحامله بمبلغ خيالي قدره ( مائتا مليون جنيه مصري لاغير) تصرف لحامله ومكتوب في الورقة الكبيرة الاخري تلك الكلمات ( بسم الله الرحمن الرحيم ...من عبد الله الفقير الي الله الحاج ( عبد الوهاب محمد الشرقاوي ) أهب كل ثروتي لصاحب النصيب ولصاحب المقدر والمكتوب ولصاحب القسمة والنصيب بموجب هذا الشيك له كحامله وهي كل ثروتي التي جنيتها من دنياي حيث لا وريث لي من ولد او قريب او بعيد اعطيها له هبة طواعية بلا كراهية ولكن علي شرط ان يتق الله في هذا المال الذي جنيته من حلال فليتوجه بمجرد عثوره علي ذلك الشيك الي البنك الذي اودعت فيه وديعتي وليتم البنك اتفاقه معي بما يرضي الله ورسوله فانما المقدر والمكتوب بيد الله تعالي يعز من يشاء ويذل من يشاء وانما شئت هذا لانني أردت أن أحقق ارادة الله في وفاء ديني لرجل اعزني قبل ذل وحماني من فقر قبل قفر وأدعو الله أن يكون هو صاحب القسمة والنصيب .... فالمال مال الله والعباد عباد الله وانا لله وانا اليه راجعون ولا حول ولاقوة الا بالله العلي العظيم ) هنا يرفع وجهه الي السماء باكيا ...انه يبكي بحرارة ..حتي تبللت لحيته ونهنهات بكاءه يرتفع صوتها عاليا .....ليسجد لله طويلا علي عجيب صنع الله فلقد كان الحاج محمد عبد الوهاب الشرقاوي هو الرجل الوحيد الذي فعل معه صنيع خير في ذات مرة من سنين طويلة حينما أتاه فقيرا يتوسل اليه ان ينقذه من الافلاس فأعطاه مجوهرات بعشرين مليونا من الجنيهات علي سبيل الأمانة ..فقد كان رجل من رجاله المخلصين الصالحين .وبعدها اختفي الرجل واختفت من بعده دنياه وصار عبدا فقيرا ....هاهي العشرين مليونا أتته بعشرة أمثالها ...يبكي ثم يبكي ثم يبكي من عجيب صتع الله الذي بيده القسطاس المبين .
..............................................
تحياتي لكم من القلب
الكاتب والشاعر
عاطف عبد الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق