السبت، 6 يناير 2018

بقلم الكاتبة "مي عادل"

سيدة القصر

للكاتبه: مي عادل

لعل أشد ما أدهشنا بشأن الطبقة الأرستقراطية ، التي كانت قد برزت كثيرًا إبان فترة العصور الوسطى في أوروبا ، هو التصرفات الغريبة والقاسية التي كانوا يقومون بها تجاه العبيد والخدم من حولهم ، فكم من قصص رويت حثي أشبع هؤلاء سياديتهم بتعذيب من هم أكثر ضعفًا ولا حيلة لهم أمامهم ، ولعل السيدة السفاحة سالتاكوفا إحدى أشهر سفاحات عصرها.

 " سونيا" سیده من عائله استقراطیه، تزوجت وهي في سن صغيرة من ابن عمها ولكن سرعان ما توفى عقب فترة قصيرة من زواجهما ، وكانت  قد ترملت وهي في الخامسة والعشرين من عمرها ، عُرف عنها الورع والتقوى وقوة الإيمان ، ولم تكن ملامحها أو شخصيتها تهيئ لمن يراها بأن هذا الوجه الملائكي سوف يقتل بأبشع أنواع التعذيب .

"سونيا"  تذهب للكنيسة وتساعد في التراتيل ، ولا تتوانى عن مساعدة غيرها ، ومن خلالها تجوالها وذهابها إلى الكنيسة تعرفت إلى شاب فقير يدعى "نيكولاي"  ، ولذي لم يكن سوى صائد للسيدات الأرامل الثريات ، يتغذى على قوتهم وأموالهن بكلامه المعسول ، ولسوء حظه أحبته داريا حبًا جمًا ، وكانت قد نوت أن تتزوج به .

بمرور الوقت، علمت داريا بأنها حبيبها يستعد للزواج من أخرى ، ولكنها لم تصدق سوى نفسها على الرغم من أنها قد تأكدت من تحديد موعد زفافهما ، فلم تجد بدًا من محاولة اللحاق به مستغلة في ذلك نفوذها وسلطتها آنذاك ، بوصفها السيدة الأغنى بعد الإمبراطورة "كاثرين" ، ولكن باءت كل محاولاتها بالفشل الذريع ، حيث كان يعلم "نيكولاي" بما تحيكه له من مكائد ويفلت منها قبل أن تصل هي إليه.

بالطبع تبدلت أحوال "سونيا" ولم تعد كما كانت ، صارت أكثر عصبية وتعمل على توبيخ خدمها على أتفه الأشياء ، ثم تطور الأمر إلى الضرب الخفيف ثم المبرح ، وتلاه وصلات تعذيب بلا رحمة لكل من يعمل لديها ، ولم تعد تعبأ بأية شكاوى قد تصدر منهم في حقها ، فهي السيدة الأغني في روسيا.

"سونيا" تتمعن في التعذيب حتى قيل أنها كانت تكسر عظام ضحاياها بالأدوات لحادة ، والمطارق الضخمة ، وتجعلهم ينزفون بلا رحمة ، وبالطبع كان أكثر ضحاياها من النساء ، فقد أرادت أن تنتقم من حبيبها ومن أخذته منها ، فكان وقع التعذيب أشد وطأة بالنسبة للنساء ، وقيل أنها لم يعد رجال سوى ثلاثة فقط في مقابل مائة وتسعة وثلاثون أنثى !

لم تكن  تكتفي بوصلات التعذيب في تكسير العظام فقط ، بل كانت تجرد ضحاياها من ملابسهم وترميهم على قارعة الطريق في برد موسكو القارص ليموتوا هكذا ، أو أنها كانت تحرق شعر الضحايا ، وتأكل لحومهن ، وقيل أنها كانت تسكب الزيت المغلي على رؤوس الفتيات الصغيرة ، في مشاهد تعذيب جماعية بشعة.

في النهايه، توالت الاتهامات والشكاوى ضد درايا ولكن الأمر مثلما توقعوا ، فكل شكواهم كانت تذهب هباء وأدرك الجميع بأن الشرطة لديهم فاسدة وتحمي دجاريا ، نظرًا لمكانتها المجتمعية ، ولسوء حظها استطاع اثنان من الخدم لديها الهرب قبل أن يتوفيا داخل غرف التعذيب التي أقامتها لهم .

ذهب الخادمان إلى الإمبراطورة "كاثرين" ، وللمصادفة كانت "كاثرين" تقود حملة جديدة مغزاها الحصول على الحقوق الضائعة وإعادة حقوق الفقراء لهم تحديدًا ، ووصل الخادمان إلى بلاطها ورويا لها ما حدث ، وبالفعل تفقدت الإمبراطورة  الأمر ، ودهشت لكل ما سمعته من أهوال ، وهنا قررت أن يتم إلقاء القبض على "سونيا" لأول مرة في تاريخ روسيا ، حيث يتم اعتقال سيدة نبيلة مثلها.

تم إجراء تحقيقات موسعة في الأمر مع السيده " سونيا" ، وحدث ذلك لمدة عامين ، صدر بعدها الحكم بأن تنقاد "سونيا" وسط الجموع ليراها العامة الغاضبون ويهدؤوا قليلاً فما فعلته  كان مخجلاً وبحق في حق الطبقة الأرستقراطية التي تنتمي إليها.

وكان تفكير الإمبراطورة "كاثرين" سليمًا ، حيث مرت سالتاكوفا بين الجموع في مشهد مذل ، وقذفوها بما لديهم من قاذورات وأوساخ ، ثم اقتيدت إلى زنزانتها ، حيث كان حكم الإعدام قد ألغي منذ فترة بعيدة ، ولكن الإمبراطورة أرادت أن تحصل "سونيا" على جزاء عادل لما فعلته ، خاصة وأنها لم تبد ندمًا ، كما أشار المحقق معها والقس أيضًا.

تم إيداعها في زنزانة أسفل الكنيسة ، رطبة ومظلمة وتم منع كل وسائل الحياة عنها ، حتى الشموع كانت لديها منها واحدة فقط تُشعل عندما يأتيها الطعام ثم يطفئنها مرة أخرى.

مرت الأيام طويلاً ، وظلت "سونيا" قابعة في محبسها سنوات طويلة ، إلى أن تم إيداعها في غرفة داخل الدير الذي طالما حُبست أسفله في زنزانتها ، وكانت الممرضات تتحدثن بشأن جنونها ، فقد كانت  قد فقدت عقلها تمامًا ، حيث قال بعض المؤرخين أنها قد تعرضت للاغتصاب مرات عدة ، وأنجبت مثل الحيوانات وهي في محبسها .

وقيل أنها كانت تنزعج إذا ما مر أحدهم أمام النافذة ، فكانت تجلس جوارها دائمًا وتنظر من خلالها إلى العالم ، إلى أن توفت عقب تاريخ حافل بالمجازر التي أقامتها ضد الخدم والفقراء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق